من إرث المونديال نحو آفاق الأولمبياد.. قطر تكتب فصلا جديدا في مسيرة الطموح الرياضي
قنا
من إرث المونديال نحو آفاق الأولمبياد، تمضي قطر في كتابة فصل جديد من مسيرتها الرياضية، واضعة أمامها هدف الترشح لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية لعام 2036، مستندة إلى تجارب متراكمة في تنظيم كبرى البطولات العالمية، وإلى منظومة من المنشآت الرياضية والبنية التحتية والخبرات التنظيمية التي تشكلت على مدى سنوات.
ومع تسلم دولة قطر علم دورة الألعاب الآسيوية 2030، تبدأ محطة جديدة في هذا المسار، إذ تمثل الدورة الآسيوية المقبلة اختبارا عمليا لجاهزية المنشآت والمنظومة التنظيمية وقدرتها على استيعاب منافسات وفعاليات قارية واسعة النطاق.
كما تحمل الاستضافة المقبلة للدورة الآسيوية دلالة تتجاوز حدود المنافسات، باعتبارها ترجمة للثقة التي أولاها المجلس الأولمبي الآسيوي والأسرة الرياضية في القارة لقدرة قطر على مواصلة استضافة الأحداث الرياضية الكبرى.
وتدخل قطر سباق الترشح لاستضافة أولمبياد 2036، واضعة خبرتها الواسعة في تنظيم كبرى الأحداث الرياضية العالمية على طريق طموح جديد، يتطلع إلى أن تصل الدوحة يوما إلى محطة استضافة أكبر حدث رياضي في العالم.
ويشكل إدراج اللجنة الأولمبية الدولية دولة قطر رسميا ضمن قائمة الدول المهتمة باستضافة أولمبياد 2036، أساسا مهما يمكن البناء عليه في مسار الترشح، في خطوة تعكس الحضور المتنامي على خريطة الرياضة العالمية، وتفتح الباب أمام مشروع أولمبي يحمل في تفاصيله طموحا يتجاوز استضافة حدث رياضي، إلى تقديم تجربة استثنائية تعكس قدرة دولة قطر على تحويل الطموح إلى واقع.
ولا يبدو الطموح القطري لاستضافة هذا الحدث مجرد محاولة للدخول في سباق الاستضافة، بقدر ما يستند إلى سنوات من الاستثمار في الرياضة والمنشآت والخبرات التنظيمية، وضعت قطر أمام فرصة لتقديم ملف يقوم على الجاهزية التشغيلية أكثر من اعتماده على إنشاء بنية جديدة خصيصا للحدث.
وتعود المساعي القطرية لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية إلى يوليو 2025، عندما أكدت اللجنة الأولمبية القطرية، برئاسة سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيس لجنة ملف الترشح، مشاركتها في النقاشات الجارية مع اللجنة الأولمبية الدولية بشأن استضافة الأولمبياد.
وتضع قطر ضمن مقومات ملفها منظومة رياضية متطورة، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 95 في المئة من البنية المطلوبة لاستضافة الدورة متوافرة بالفعل، بما يعكس سنوات من العمل على تطوير المنشآت الرياضية والمرافق المساندة وفق معايير دولية، والاستفادة من الإرث الذي خلفته استضافة قطر للعديد من البطولات والأحداث الرياضية الكبرى.
وتشمل هذه المنظومة ملاعب حديثة ومرافق متخصصة لمختلف الألعاب، إلى جانب منشآت التدريب والإعداد، والمنشآت المائية، ومرافق ألعاب القوى والرياضات الجماعية، فضلا عن شبكة متكاملة من الفنادق، ومرافق الإقامة والخدمات الطبية واللوجستية، وتساندها بنية تحتية متطورة في مجالات النقل والطرق والمواصلات، بما يوفر قاعدة متكاملة لاستقبال الرياضيين والوفود والجماهير.
وتكتسب هذه الجاهزية أهمية خاصة في ظل طبيعة الألعاب الأولمبية التي تتطلب استضافة عشرات الرياضات في مواقع متعددة، إلى جانب توفير مرافق للتدريب والإقامة والتنقل والخدمات المصاحبة على مستوى عال من الكفاءة، وهي متطلبات قطعت قطر شوطا كبيرا في توفيرها من خلال استثماراتها الرياضية والتنموية المتواصلة.
ولا تقتصر عناصر القوة في الملف القطري على المنشآت، إذ تراكمت لدى قطر خبرة تنظيمية واسعة من خلال استضافة أحداث رياضية عالمية وقارية وإقليمية، الأمر الذي أسهم في تطوير منظومة متكاملة لإدارة المنافسات الكبرى، وتعزيز القدرات البشرية والتنظيمية والفنية المرتبطة بها.
وفي البعد الأوسع للملف، يبرز مفهوم الرياضة بوصفها وسيلة للتقارب بين الشعوب والثقافات، وهو ما أكده سعادة الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني رئيس اللجنة الأولمبية القطرية رئيس لجنة ملف الترشح في يوليو من العام الماضي عندما شدد على قوة الرياضة وتأثيرها في تمكين الأفراد وإطلاق قدراتهم، ولا سيما الشباب.
ويحمل هذا التوجه بعدا يتجاوز الجانب التنظيمي للحدث، إذ يرتبط برؤية قطر لدور الرياضة في بناء جسور التواصل وتعزيز التفاهم بين الشعوب، ودعم قيم السلام والتقارب، وهي مبادئ تسعى الدوحة إلى إبرازها ضمن تصورها لاستضافة أكبر تجمع رياضي عالمي.
واكتسب الملف القطري لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية لعام 2036 بعدا عربيا مع دعم مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري ترشح دولة للاستضافة، في موقف يعكس مساندة عربية للملف الذي يمنح بعدا إقليميا إلى جانب ما يطرحه من مقومات فنية وتنظيمية.
ويؤكد هذا الدعم، إلى جانب الجاهزية والخبرات المتقدمة، أن المنافسة على استضافة دورة 2036 بالنسبة لدولة قطر لا تقوم على فكرة بناء مدينة أولمبية جديدة بقدر ما تستند إلى توظيف منظومة رياضية قائمة وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات الحدث، مع الحفاظ على رؤية طويلة الأمد للإرث الرياضي بعد انتهاء المنافسات.
وفيما تواصل اللجنة الأولمبية الدولية مشاوراتها واختيارها للمسار الخاص بتحديد المدينة المضيفة، تمضي قطر في تقديم مقوماتها باعتبارها دولة تمتلك بنية رياضية متقدمة، وخبرة في تنظيم الأحداث الكبرى، وشبكة بنية تحتية مساندة، ورؤية تسعى إلى ربط استضافة الأولمبياد بأهداف أوسع تتصل بتطوير الرياضة وتمكين الشباب وتعزيز التواصل بين الشعوب.
ومن هنا، يكتسب ملف قطر لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية لعام 2036 أهمية تتجاوز مجرد المنافسة على تنظيم دورة أولمبية، ليقدم اختبارا لنموذج يقوم على الاستفادة من بنية رياضية أنجزت بالفعل، وخبرات تنظيمية تراكمت عبر سنوات، وتحويل هذا الإرث إلى قاعدة لاستضافة دورة تستهدف ترك أثر مستدام في الرياضة والمجتمع والمنطقة.
وتستند هذه الجاهزية إلى منظومة واسعة من المنشآت الرياضية التي تغطي مختلف الألعاب، إلى جانب الملاعب التي شيدت وطورت لاستضافة بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، وأصبحت بعد البطولة جزءا من الإرث الرياضي المستدام للدولة.
ولا تقتصر المنظومة على ملاعب كرة القدم، وإنما تمتد إلى الصالات والمنشآت المتخصصة في الألعاب الجماعية والفردية والرياضات المائية وألعاب القوى، بما يوفر قاعدة يمكن البناء عليها لاستضافة برنامج أولمبي متعدد الرياضات.
وتبرز أكاديمية أسباير للتفوق الرياضي ضمن هذه المنظومة بما تضمه من صالات وملاعب ومنشآت تدريبية مجهزة وفق مواصفات ومعايير عالمية، إلى جانب مرافق متخصصة للإعداد الرياضي والتأهيل، ما يجعلها إحدى الركائز المهمة في منظومة الاستضافة والتدريب.
كما يمثل استاد الجنوب نموذجا آخر على قدرة المنشآت التي استضافت منافسات بطولة كأس العالم FIFA قطر 2022، على مواصلة أداء دورها في المشهد الرياضي العالمي، إذ تحول الاستاد بعد البطولة إلى منشأة رياضية متعددة الاستخدامات، ويستعد لاستضافة منافسات كأس العالم لكرة السلة 2027، بما يعكس توجها يقوم على الحفاظ على قيمة المنشآت الكبرى وتوظيفها في استضافة أحداث دولية متعاقبة، وينطبق الأمر نفسه على ملعب لوسيل الذي رسخ مكانته كأحد أبرز الصروح الرياضية في قطر، بعدما احتضن عددا من أهم الاستحقاقات الكروية، ليبقى جزءا من إرث رياضي قابل للتوظيف في استضافة المزيد من الفعاليات العالمية.
وتمتلك قطر أيضا شبكة واسعة من المنشآت المتخصصة في عدد كبير من الألعاب الرياضية، ومرافق للتدريب والإقامة والخدمات الطبية واللوجستية، مدعومة بشبكة متطورة من الطرق ووسائل النقل والفنادق والمرافق الخدمية، فضلا عن شبكة مترو الأنفاق التي توفر وسيلة سريعة وسهلة للتنقل بين مختلف مناطق الدولة والمنشآت الرياضية.
وتمنح هذه المنظومة المتكاملة القادمين لحضور المنافسات مرونة كبيرة في الحركة، بما يتيح للمشجع متابعة أكثر من فعالية رياضية في اليوم الواحد دون عناء التنقل لمسافات طويلة، وهي تجربة برزت بوضوح خلال استضافة قطر لبطولات كأس العالم FIFA قطر 2022 وكأس آسيا 2023 وكأس العرب FIFA قطر 2025 عندما أتاحت تقارب المنشآت وارتباطها بشبكة النقل للمشجعين حضور مباراتين أو ثلاث مباريات في اليوم ذاته، وهي ميزة يمكن أن تشكل قيمة إضافية في أي تصور لاستضافة دورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية.
ويدعم ملف الترشح كذلك ما تتمتع به قطر من مقومات سياحية متنوعة، تجمع بين المعالم الثقافية والتراثية والوجهات الترفيهية الحديثة، إلى جانب أجوائها المعتدلة خلال أشهر الشتاء، ما يجعلها وجهة جاذبة للزوار خلال الفترة التي تقام فيها المنافسات.
وتتنوع الوجهات التي يمكن أن تستقطب الرياضيين والجماهير والوفود بين المتاحف التي تقدم جوانب من تاريخ قطر وثقافتها، وسوق واقف بما يمثله من حضور للتراث المحلي، وكورنيش الدوحة الممتد على الواجهة البحرية، والمؤسسة العامة للحي الثقافي "كتارا"، فضلا عن مدينة لوسيل الحديثة بما تضمه من مرافق ووجهات سياحية وترفيهية عالية المستوى.
وتعزز الأجواء الشتوية المعتدلة إمكانية تنظيم فعاليات رياضية وسياحية في ظروف مناسبة للزوار، كما تسمح طبيعة الدولة الجغرافية وتقارب مناطقها العمرانية للزائرين بالجمع بين حضور المنافسات واستكشاف المعالم السياحية خلال فترة زمنية قصيرة.
ويشكل هذا التقارب الجغرافي عاملا يمكن أن ينعكس كذلك على تجربة الرياضيين، من خلال تقليل أوقات التنقل بين أماكن الإقامة والتدريب والمنافسات، وهو أمر يكتسب أهمية خاصة في دورة تضم آلاف الرياضيين المشاركين في عدد كبير من الألعاب.
وتتيح هذه الخيارات للزائر الجمع بين متابعة المنافسات الرياضية واكتشاف المعالم الثقافية والتراثية وإرث الأجداد والاستمتاع بالأنشطة الترفيهية في رحلة واحدة، بما يعزز من جاذبية قطر كوجهة لاستضافة حدث عالمي بحجم الألعاب الأولمبية والبارالمبية.
ولا تتوقف عناصر الجاهزية عند هذا الحد، إذ تمتلك قطر أيضا رصيدا من الكوادر الوطنية التي تمتلك خبرات واسعة في إدارة وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وشاركت مجموعة منها في الإعداد والخطط التشغيلية الخاصة ببطولة كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مستفيدة من الخبرات التي اكتسبتها خلال تنظيم مونديال 2022 وإدارة مختلف جوانبه التشغيلية.
وتعكس هذه المشاركة انتقال الخبرة القطرية إلى محافل رياضية دولية أخرى، بعدما أصبحت الكوادر الوطنية تمتلك معرفة عملية في التخطيط والتشغيل وإدارة المنشآت والفعاليات والتعامل مع المتطلبات التنظيمية للأحداث ذات النطاق العالمي.
وتمثل هذه الخبرات البشرية أحد أهم عناصر الإرث الذي يمكن البناء عليه في أي استضافة أولمبية مقبلة، إذ يعتمد نجاح حدث بهذا الحجم ليس على المنشآت والبنية التحتية وحدها، وإنما على كوادر مؤهلة قادرة على إدارة التفاصيل اليومية وتشغيل المواقع والتنسيق بين مختلف القطاعات، وهي خبرات تراكمت لدى قطر عبر سلسلة من البطولات والأحداث الرياضية الكبرى التي استضافتها خلال السنوات الماضية.
ومع اقتراب سباق استضافة أولمبياد 2036 من مراحله الأخيرة، تبدو قطر أمام ملف لا يقوم على الرغبة في تنظيم الحدث فحسب، بل إلى مقومات وجاهزية متكاملة، ومقومات تراكمت عبر سنوات من الاستثمار في الرياضة، والبنية التحتية، والخبرات التنظيمية، والسياحة.
وإذا كانت الألعاب الأولمبية تبحث عن مدن قادرة على احتضان الرياضيين والجماهير وتقديم تجربة متكاملة، فإن الدوحة تدخل السباق بإرث رياضي راسخ، وتسعى إلى تحويل خبراتها ومنشآتها إلى رؤية أولمبية يمتد أثرها إلى ما بعد ختام المنافسات.